قصة وسيرة

إبراهيم الترتير.. حين يرحل أبناء المخيم الذين عاشوا له

لم يكن الحاج إبراهيم الترتير مجرد اسمٍ بين أبناء مخيم عسكر القديم، بل كان واحداً من أولئك الرجال الذين ارتبطت حياتهم بالمخيم وأهله حتى بات حضورهم جزءاً من تفاصيل المكان.

ولد الترتير عام 1955 لأسرة هجّرتها النكبة من مدينة اللد، وحمل معه حكاية اللجوء كما حملها أبناء جيله من اللاجئين الفلسطينيين. وفي مخيم عسكر القديم أمضى سنوات عمره منخرطاً في العمل المجتمعي والخيري، مؤمناً بأن خدمة الناس هي الطريق الأقصر لحفظ كرامة المخيم وأبنائه، وكان شديد الارتباط بمدينة اللد، يروي حكاياتها للأجيال الشابة، ويحرص على إبقاء اسمها حاضراً في الذاكرة الجماعية للاجئين. هذا الوفاء لمسقط رأسه الأول لم يكن تعصباً للمكان بقدر ما كان تمسكاً بالهوية والحق والذاكرة، وهو ما أكسبه احترام أبناء المخيم وتقديرهم.

يقول رئيس لجنة خدمات مخيم عسكر القديم، ماجد أبو كشك، إن الحاج إبراهيم الترتير كان دائماً حاضراً في خدمة أبناء المخيم، ولا سيما خلال الفترة الأخيرة، حيث كان من أكثر المتواجدين في لجنة الخير التي تعمل على مساندة الأهالي في الظروف الصعبة. ويضيف أن الحاج إبراهيم كان يعرف أبناء المخيم واحتياجاتهم عن قرب، وكان يدرك من يحتاج إلى المساعدة ويسعى للوصول إليه ومساندته.

امتدت مسيرة الحاج إبراهيم الترتير في خدمة المجتمع لأكثر من أربعة عقود، عمل خلالها مرشداً تربوياً وأسهم في تربية أجيال من أبناء المخيم. كما شغل منصب نائب رئيس جمعية اللد الخيرية، وكان عضواً في اللجنة التنظيمية بمنطقة المساكن، وعضواً في جمعية الحرية الخيرية ولجنة الخير، ومن مؤسسي مستوصف بولدر الصحي، إضافة إلى عضويته السابقة في لجنة خدمات مخيم عسكر ودوره كمراقب في مركز شباب عسكر ومأذون شرعي. ومن خلال هذه المواقع كافة، كرّس جهده لخدمة أبناء المخيم، وتعزيز قيم التكافل والتضامن الاجتماعي، ومساندة العائلات المحتاجة على مدار سنوات طويلة.

يقول أمين سر حركة فتح في منطقة المساكن، خالد أبو كاملة، في حديثه لمنصة “من المخيم”، إن رحيل الحاج إبراهيم الترتير ترك فراغاً كبيراً لديه، لكونه كان دائماً إلى جانبه في الفعاليات والأنشطة المجتمعية. ويستذكر أبو كاملة إحدى الفعاليات التي نظمت على جبل عيبال، عقب إقامة مستوطنين بؤرة استيطانية في المنطقة، حيث جرى تنظيم نشاط شعبي تخلله إقامة صلاة الجمعة، وتولى الحاج إبراهيم خطبة الصلاة أمام معسكر الجيش. ويشير إلى أن الفعالية كان لها أثر مباشر، معتبراً أن نجاحها تجسّد في انسحاب المستوطنين من المنطقة.

وكما كان قريباً من أبناء مخيمه، كان الأقرب إلى عائلته، التي رأت فيه الأب والمرشد والسند. رحل تاركاً وراءه فراغاً لا يملؤه أحد، وذكرياتٍ ستبقى حاضرة في قلوب أبنائه وأحفاده وكل من عرفه عن قرب.

ويوضح محمد الترتير نجل الراحل أن والده ربى عشرة أبناء، سبع بنات وثلاثة أبناء، وحرص على تربيتهم تربية دينية وثقافية، رغم انشغاله واهتمامه بخدمة مجتمعه. ويضيف أنه كان حريصاً أيضاً على الحفاظ على صلته بأحفاده، البالغ عددهم 52 حفيداً، وكان قادراً على تخصيص الوقت لهم والاهتمام بهم رغم مسؤولياته المجتمعية.

لم يكن حضوره مرتبطاً بمناسبة أو موقع رسمي، بل كان حاضراً في الأفراح والأتراح، وبين الناس في شوارع المخيم وأحيائه. عرفه الأهالي رجلاً قريباً من الجميع، يحمل همومهم ويتابع قضاياهم ويحرص على أن يبقى المخيم متماسكاً رغم ما يواجهه من تحديات.

ويضيف جمال شطارة، رئيس جمعية اللد الخيرية، أن الحاج إبراهيم كان بالنسبة لهم “الأخ الأكبر”، وتميز بحيويته ونشاطه وحضوره الدائم في الجمعية. وبحكم عمله في مجال التعليم وعلاقاته الواسعة، كان يساهم في متابعة شؤون الجمعية والتواصل مع مختلف الجهات، ويحرص على التواجد فيها من الساعة التاسعة صباحاً وحتى الثانية ظهراً، ويقدم ما تحتاجه الجمعية من جهد ومتابعة وفقاً لظروفها واحتياجاتها.

برحيل الحاج إبراهيم الترتير، يفقد مخيم عسكر القديم أحد وجوهه الاجتماعية المعروفة، رجلاً كرّس سنوات طويلة من حياته للعمل العام وخدمة أبناء مجتمعه. لكن الأثر الذي تركه في قلوب الناس، والذكرى التي صنعها بين أبناء المخيم، سيبقيان حاضرين في المكان الذي أحبّه وعاش من أجله.

لمشاهدة الفيديو اضغط هنا https://www.facebook.com/reel/2430169067509871

Exit mobile version