في أزقة مخيم بلاطة الضيقة، تعالت أصوات الطبول الكشفية وهي تقود مسيرة صغيرة تحافظ على ذاكرة كبيرة: ذاكرة القائد ياسر عرفات. كانت المسيرة، التي نظّمتها مجموعة كشافة ومرشدات مركز يافا الثقافي، فلم تكن الخطوات مجرد حركة منظمة، بل سردٌ حيّ لحكاية ترفض أن تغيب، تُروى من جديد كل عام على وجوه الفتية والفتيات الذين يرتدون زيّهم الكشفي بفخر.
كان تيسير نصر الله، رئيس مركز يافا الثقافي، يسير إلى جانبهم. قال كأنه يحدّث ذاكرة المخيم: “في هذا اليوم، فقدت فلسطين أحد الذين فجّروا ثورة المستحيل عام 1965… من رماد النكبة أشعل أبو عمار جمرة الثورة”. ومع كلماته، بدا المخيم وكأنه يستعيد صور القائد وهو يعبر بواباته خلال سنوات الانتفاضة، يربت على أكتاف شبابه ويمنحهم قوة الاستمرار.
محافظ نابلس قال لابناء المخيم: “افخروا دائماً بأنكم من مخيم بلاطة… أبو عمار كان يكرر أن بلاطة رقم واحد، وأنتم من مدرسة علّمت الأجيال معنى الصمود”. كانت الجملة كفيلة بأن ترفع رؤوس الفتية قليلًا، وكأنهم يتأكدون أنهم يسيرون على الطريق ذاته الذي خطّه القائد.
واصلت المسيرة طريقها بين البيوت المتلاصقة، بينما كانت أعلام فلسطين تتحرك فوق رؤوس الأطفال مثل تواقيع صغيرة على ذاكرة كبيرة. لم يكن مجرد مشهد للذكرى، بل تجديد عهد من المخيم الذي لطالما كان نقطة اشتعال للحكاية الفلسطينية. فهنا، في هذا المكان الضيق المفتوح على السماء، ما زال أبو عمار حيًا في الخطوات الكشفية، في الهتافات، وفي الإيمان الجماعي بأن الطريق، مهما طال، لا يزال واحدًا.


